جلال الدين الرومي

648

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

( 4648 - 4671 ) : يلتقى الابن الأوسط بالملك في جنازة أخيه ، ومع أن الملك يعرفه إلا أنه يسأل متعمداً " من يكون هذا ؟ يبدو أنه سمكة من نفس البحر " أي يبدو أنه أيضاً سالك يريد أن يصل إلى بحر الغيب وبإكرامه لذلك الأخ الأوسط صاده أيضاً وجعله مفتوناً بالوجود المطلق ، وذلك الملتاع في مصيبة أخيه ، رأى أن روحاً جديدة قد نفثت في جسده ، لقد كانت العطية عظيمة ، مجرد التفات من الوجود الحقيقي ، وهو التقات بلا حول ولا طول ولا جهد ، لقد قامت ضجة عالية في قلبه ، فلم يكن قلبه متوقعاً لها ، وانعكست مشاعره هذه على كل ما حوله ، فحتى الجمادات اكتسبت روحاً جديدة ووصلها فيض العطاء ، كل ذرة أخذت تتضخم أمامه وتكشف عن أسرارها ، وكل شئ مما هو موجود حوله أخذ يكتسب معنى جديداً ، لقد انقلب إلى روح منفصل عن الجسد ، والروح عندما تنفصل عن الجسد يصبح العالم كله أمامها جديداً ، ليس هذا فحسب بل إن كثيراً مما لم تكن تراه تبدأ تراه من جديد ، لقد كان يقرأ في الكتب عن هذه الأحوال ، لكنه خبرها عياناً الآن وتجلت أمامه ، وليس ذلك إلا من عناية ذلك الملك العظيم الذي كحل عينيه بكحل المعرفة ، لم يكن الكحل من يده ، بل من غبار مطيئته ، فكأنه قبض قبضة من أثر الرسول ، وأخذت الفيوضات تنهمر عليه وهو يصيح : هل من مزيد ، لقد كان في روضة من المعاني تختلف عن تلك الرياض التي ترونها والتي يمكن أن تصبح صعيداً زلقاً أو يصبح ماؤها غوراً ، إنها روضة نامية من القلب ، دائماً في ازدياد ، ربيعها دائم ومتجدد ، وكل ما تعلمه من علوم ، حتى العلوم التي تعترف بها والتي ترى أنها ذات طعم ، حتى علوم القلب هي مجرد باقة أو باقتان من هذه الرياض فليس كل من ذاق منها استطاع أن يعبر عن كل ما ذاقه ، وإننا لنشعر بالضعف تجاه هذه الباقات ، لأنك لم تدرك هذه الروضة ولم تدرك قيمتها ، وأغلقت أبواب الروضة أمامك لأن مفاتيح هذه الأبواب ضاعت منك وأنت مشغول بهموم العيش وإن فرغت منها لحظة ، انصرفت باحثاً عن النساء ، ثم طف عندك هذا الميل وهذا الهوس فانقلبت من حية إلى تتبين ذي سبعة رؤوس إلى